محمد متولي الشعراوي
10286
تفسير الشعراوي
واستشرف المسكين للارتواء أراق الحارسُ الكوبَ ، ويُسمُّون ذلك : يأْسٌ بعد إِطْماع . لذلك الحق تبارك وتعالى يعطينا في الكون أمثلة تُزهِّد الناس في العمل للناس من أجل الناس ، فالعمل للناس لا بُدَّ أن يكون من أجل الله . وفي الواقع تصادف مَنْ ينكر الجميل ويتنكر لك بعد أنْ أحسنْتَ إليه ، وما ذلك إلا لأنك عملتَ من أجله ، فوجدت الجزاء العادل لتتأدب بعدها ولا تعمل من أجل الناس ، ولو فعلتَ ما فعلتَ من أجل الله لوجدتَ الجزاء والثواب من الله قبل أنْ تنهتي من مباشرة هذ الفعل . وفي موضع آخر يُشبِّه الحق سبحانه الذي ينفق ماله رياء الناس بالحجر الأملس الذي لا ينتفع بالماء ، فلا ينبت شيئاً : { كالذي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } [ البقرة : 264 ] . وقوله تعالى : { والله سَرِيعُ الحساب } [ النور : 39 ] فإياك أنْ تستبعد الموت أو البعث ، فالزمن بعد الموت وإلى أن تقوم الساعة زمنٌ لا يُحسَب لأنه يمرُّ عليك دون أن تشعر به ، كما قال سبحانه : { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } [ النازعات : 46 ] . والله تعالى أخفى الموت أسباباً وميعاداً ؛ لأن الإبهام قد يكون غاية البيان ، وبإبهام الموت تظل ذاكراً له عاملاً للآخرة ؛ لأنك تتوقعه